وائل بركات: الاحتياطي النقدي يواصل الصعود.. والاقتصاد المصري يبدأ مرحلة جديدة من التعافي (حوار)
كتب: أحمد عبدالله
يشهد الاقتصاد المصري مرحلة من التحسن الملحوظ في مؤشرات الاستقرار المالي، ويأتي في مقدمة هذه المؤشرات الارتفاع المتواصل في حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي يواصل صعوده للشهر الرابع على التوالي، في إشارة واضحة إلى تحسن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وتعزيز استقرارها المالي.
وفي حوار خاص، قال الدكتور وائل بركات، الخبير الاقتصادي، إنه تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية ارتفع إلى مستويات تُعد الأعلى منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعاً بتدفقات نقدية متنوعة من قطاعات رئيسية تشمل السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب نمو الصادرات وتحسن ميزان المدفوعات.
الاحتياطي النقدي الأجنبي يمثل في جوهره صمام الأمان لأي اقتصاد، فهو المؤشر الحقيقي على قدرة الدولة في مواجهة الأزمات والصدمات المفاجئة، وسداد التزاماتها الدولية، وضمان استمرار تدفق السلع الاستراتيجية من غذاء ودواء ووقود دون اضطراب، وكلما زاد حجم هذا الاحتياطي، ارتفعت ثقة الأسواق والمستثمرين في الاقتصاد الوطني، وازدادت قدرة الدولة على الحفاظ على استقرار العملة المحلية وتقليل آثار التضخم الناجمة عن تقلبات الأسواق العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن ارتفاع الاحتياطي في مصر يُعد رسالة طمأنة للأسواق المحلية والدولية على حد سواء، تؤكد أن الاقتصاد المصري بدأ يتجاوز مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة استعادة التوازن المالي.
وتابع، يرجع هذا التحسن إلى مجموعة من العوامل المتشابكة التي تفاعلت بذكاء في الفترة الأخيرة، إذ شهدت مصر عودة تدريجية للاستثمارات الأجنبية مع تحسن مؤشرات الثقة عقب توقيع عدد من الاتفاقيات الاستثمارية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، فضلاً عن دخول تدفقات جديدة من صناديق استثمار عربية وأجنبية بعد فترة من الترقب. كما أسهم الاستقرار النسبي في سعر الصرف، إلى جانب الإجراءات النقدية المنضبطة التي اتخذها البنك المركزي، في تعزيز استقرار الأسواق المالية وتراجع المضاربات على العملة.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي لقطاع السياحة الذي تعافى بقوة عقب فترة من التباطؤ العالمي، حيث تجاوزت الإيرادات حاجز الأربعة عشر مليار دولار خلال العام المالي الأخير، وهي أعلى حصيلة منذ أكثر من عقد، نتيجة لتزايد أعداد الزائرين من الأسواق الأوروبية والعربية وعودة السياحة الروسية والصينية، إلى جانب تحسن البنية الفندقية والخدمية. كما واصلت تحويلات العاملين المصريين بالخارج أداءها القوي بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول الخليجية، لتظل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المستقرة التي تشكل نسبة معتبرة من إجمالي التدفقات الدولارية.
وفي الوقت ذاته، ساهمت الزيادة الملحوظة في صادرات الغاز الطبيعي والمنتجات البتروكيماوية والزراعية في تعزيز الإيرادات الدولارية، إلى جانب ترشيد الواردات وتحسن ميزان المدفوعات. كما نجحت مصر في عقد اتفاقيات تمويل ميسّرة مع مؤسسات مالية دولية وإقليمية، إلى جانب حزم استثمارية خليجية موجهة لمشروعات إنتاجية، وهو ما ساعد على تدعيم أرصدة الاحتياطي دون إثقال كاهل الموازنة العامة بأعباء جديدة.
هذه التطورات انعكست إيجاباً على المشهد الاقتصادي العام، إذ أصبح البنك المركزي أكثر قدرة على إدارة سوق النقد الأجنبي ومنع المضاربات، مما ساعد على استقرار سعر الصرف تدريجياً. هذا الاستقرار بدوره أدى إلى كبح جماح التضخم الناتج عن ارتفاع تكلفة الواردات، وأعاد جزءاً كبيراً من السيولة الدولارية إلى القنوات الرسمية داخل الجهاز المصرفي، ما عزز الثقة في القطاع المالي والمصرفي المصري.
واستطرد بركات: لا شك أن ارتفاع الاحتياطي النقدي ينعكس على عدة محاور أساسية في الاقتصاد الكلي. فهو يرسخ استقرار سعر الصرف، ويخفض من معدلات التضخم تدريجياً عبر تقليل تكاليف الاستيراد، كما يرفع من قدرة الدولة على تمويل مشروعاتها التنموية دون الحاجة إلى الاقتراض الخارجي. إضافة إلى ذلك، يمثل هذا الارتفاع عاملاً داعماً في تحسين التصنيف الائتماني لمصر لدى المؤسسات الدولية التي تعتبر حجم الاحتياطي من أهم مؤشرات الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي. كما أنه يعزز من ثقة القطاع الخاص والمستثمرين المحليين في استقرار النظام المصرفي وقدرته على تلبية الاحتياجات الدولارية للمستوردين والمصدرين على السواء.
أما على صعيد التوقعات المستقبلية، فتشير تقديرات مراكز البحوث الاقتصادية إلى إمكانية استمرار نمو الاحتياطي النقدي بوتيرة مستقرة خلال الربع الأول من عام 2026، مدعوماً بارتفاع إيرادات السياحة وتحسن تحويلات العاملين بالخارج وبدء تنفيذ مشروعات استثمارية كبرى في مجالات الطاقة المتجددة والصناعة، بالإضافة إلى انطلاق مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر التي ستوفر لمصر مورداً جديداً ومستداماً من النقد الأجنبي. ومن المنتظر أيضاً أن تساهم عقود تصدير الغاز المسال طويلة الأجل إلى أوروبا وآسيا في تدعيم أرصدة الاحتياطي بشكل مستمر خلال السنوات المقبلة.
صحيح أن هناك تحديات عالمية قائمة، مثل ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق الدولية أو تقلبات أسعار النفط، إلا أن حجم الاحتياطي الحالي يوفر للاقتصاد المصري هامش أمان كافياً للتعامل مع هذه المتغيرات بثبات ومرونة. فالإدارة النقدية المتزنة والسياسات المالية المتناسقة باتت قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، مع الحفاظ على استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وأتم الخبير الاقتصادي: في النهاية، يعكس الارتفاع المتواصل في الاحتياطي النقدي الأجنبي تحوّلاً جوهرياً في مسار الاقتصاد المصري من مرحلة الضغوط إلى مرحلة التعافي والثقة. فالإصلاحات الهيكلية التي جرت خلال السنوات الماضية بدأت تؤتي ثمارها في شكل استقرار مالي واضح وتحسّن في مؤشرات الأداء العام. وإذا ما استُخدمت الزيادات في الاحتياطي لتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي ودعم الصادرات، فإن مصر ستكون على أعتاب مرحلة جديدة من النمو المستدام القائم على موارد حقيقية ونقد أجنبي متولد من الإنتاج لا من القروض، وهو ما سيضع الاقتصاد الوطني في مسار أكثر صلابة واستقراراً على المدى الطويل.






